سبط ابن الجوزي

131

تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة ( ط المجمع العالمي )

--> - وأمر المغيرة بن شعبة - وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية - حجر بن عدي أن يقوم في الناس فليلعن عليّا عليه السّلام ، فأبى ذلك ، فتوعّده ، فقام فقال : أيّها الناس ، إنّ أميركم أمرني أن ألعن عليّا ، فالعنوه ! فقال أهل الكوفة : لعنه اللّه ، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنيّة والقصد . وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من عليّ عليه السّلام ولعنه وأن يقتل كلّ من امتنع من ذلك ، ويخرّب منزله ، فضربه اللّه ذلك اليوم بالطاعون ، فمات - لا رحمه اللّه - بعد ثلاثة أيّام ، وذلك في خلافة معاوية . وكان الحجّاج - لعنه اللّه - يلعن عليّا عليه السّلام ، ويأمر بلعنه ، وقال له متعرّض به يوما وهو راكب : أيّها الأمير ، إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّا ، فغيّر اسمي ، وصلني بما أتبلّغ به فإنّي فقير ، فقال : للطف ما توصلت به قد سميّتك كذا ، ووليتك العمل الفلاني فاشخص إليه . فأمّا عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه فإنّه قال : كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ، فمرّ بي يوما وأنا ألعب مع الصبيان ، ونحن نلعن عليّا ، فكره ذلك ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي ، فلمّا رآني قام فصلّى وأطال في الصلاة - شبه المعرض عنّي - حتّى أحسست منه بذلك ، فلمّا انفتل من صلاته كلح في وجهي ، فقلت له : ما بال الشيخ ؟ فقال لي : يا بنيّ ، أنت اللاعن عليّا منذ اليوم ؟ قلت : نعم ، قال : فمتى علمت أنّ اللّه سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ؟ ! فقلت : يا أبت ، وهل كان عليّ من أهل بدر ؟ فقال : ويحك ! وهل كانت بدر كلّها إلّا له ؟ فقلت : لا أعود ، فقال : اللّه أنّك لا تعود ! قلت : نعم ، فلم ألعنه بعدها . ثمّ كنت أحضر تحت منبر المدينة ، وأبي يخطب يوم الجمعة - وهو حينئذ أمير المدينة - فكنت أسمع أبي يمرّ في خطبه تهدر شقاشقه ، حتّى يأتي إلى لعن عليّ عليه السّلام فيجمجم ، ويعرض له من الفهاهة والحصر ما اللّه عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوما : يا أبت ، أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك ، حتّى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عليّا ! فقال : يا بني ، إنّ من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد . فوقرت كلمته في صدري ، مع ما كان قاله لي معلّمي أيّام صغري ، فأعطيت اللّه عهدا ، لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيّرنّه ، فلمّا منّ اللّه عليّ بالخلافة أسقطت ذلك ، وجعلت مكانه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، وكتب به إلى الآفاق فصار سنّة . . . وكان عبد اللّه بن الزبير يبغض عليّا عليه السّلام وينتقصه وينال من عرضه . وروى عمر بن شبّة وابن الكلبي والواقدي وغيرهم من رواة السير ، أنّه مكث أيّام ادّعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : لا يمنعني من ذكره إلّا أن تشمخ رجال بآنافها . وفي رواية محمّد بن حبيب وأبي عبيدة معمر بن المثنى ، أنّ له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره . . . -